27 فائدة وحكمة لـ المؤمنين في قوله تعالى: "لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ"

منذ ساعة

الآيات من 186 - 189 من سورة آل عمران هي خطاب من الله سبحانه وتعالى لـ المؤمنين توطئةً وتسليةً لهم عما يلقونه في طريق الدعوة من ابتلاء وأذى حيث يقول فيها الله تعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. 

وتشتمل هذه الآيات 27 فائدة وحكمة كما فصلها علماء التفسير ونجملها في الآتي:
 

1- قسم الله - عز وجل - على ما أخبر به بقوله: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ الآية- وهو أصدق القائلين؛ تأكيدًا لذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 155، 156].

2- ابتلاء المؤمنين في أموالهم، بالإنفاق في الجهاد في سبيل الله، وفي غير ذلك من وجوه الإنفاق الواجبة والمستحبة، وبما يصيبهم في أموالهم من الجوائح والآفات، وتسلط الكفار عليها، وابتلاؤهم في أنفسهم بالجهاد في سبيل الله، وما يصيبهم في ذلك من قتل وجراح وألم، وبما يصيبهم من الأمراض وغير ذلك؛ ليتميز الصابر المتقي من غيره؛ ولهذا قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21].

3- أذى أهل الكتاب والمشركين لـ المؤمنين بما يسمعه المؤمنون منهم من قبيح القول؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ﴾، وهذا من الابتلاء.

4- توطين نفوس المؤمنين بإخبارهم بالابتلاء في أموالهم وأنفسهم، وسماع أذى أهل الكتاب والمشركين قبل وقوعه، مما يهوِّن عليهم وقعَه والصبر عليه إذا وقع، كما أن في ذلك زيادة لإيمانهم ويقينهم إذا وقع كما أخبر الله تعالى به؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 22].

5- أن الابتلاء في الأموال من أعظم ما يُبتلى به، ولهذا قدَّمه الله - عز وجل - على الابتلاء بالأنفس؛ لأن المال قوام الحياة، وتلفه وهلاكه قد يكون سببًا لتلف الأنفس وهلاكها.

اليهود أشد أذى للمسلمين من المشركين

6- أن أهل الكتاب وبخاصة اليهود أشد أذى للمسلمين والمؤمنين من المشركين، لهذا قدِّموا عليهم في الآية، وذلك لشدة عداوتهم للمسلمين؛ كما قال تعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ [المائدة: 82].

7- ينبغي الحذر من أهل الكتاب والمشركين، والاحتراز ما أمكن منهم، ومن أذاهم، والاستعداد لدحض باطلهم وافتراءاتهم.

8- الحث على الصبر والتقوى والترغيب فيهما؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾.

9- فضيلة الصبر والتقوى وأنهما من عزائم الأمور؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.

10- ينبغي أخذ الأمور بالعزم؛ لأن الله امتدحه؛ لما فيه من صلاح الأمور والأحوال.

11- التذكير بما أخذه الله على أهل الكتاب من الميثاق، من بيان ما أنزله الله عليهم وعدم كتمانه، وبخاصة الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ توبيخًا وتهديدًا لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾.

12- شدة إعراض أهل الكتاب واستكبارهم، واستهانتهم بما أخذه الله عليهم من الميثاق لبيان الكتاب، حيث نبذوه وراء ظهورهم، ولم يبينوه بل كتموه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾.

13- استبدال أهل الكتاب بما أخذه الله عليهم من الميثاق ثمنًا زهيدًا من متاع الدنيا، وما فيها من الجاه والمناصب والرئاسات الزائلة الحقيرة، مما يدل على دُنوِّ هِمَّتهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.

14- حقارة الدنيا وما فيها من المتاع والجاه والمناصب والرئاسات، وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ قَلِيلًا﴾.

15- ذم الثمن الذي أخذه أهل الكتاب بدلًا من الميثاق الذي أخذه الله عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾؛ حيث أخذوا القليل الأدنى بدلًا عن الكثير الأعلى.

16- وجوب بيان العلم وبذله، وتحريم كتمانه، وعِظَم مسؤولية العلماء في الأمة؛ لأنهم ورثة الأنبياء، ورُبان السفينة، والموقعون عن الله عز وجل، فعليهم تحمل المسؤولية أمام الله تعالى في تبصير الأمة وتعليمها، وقيادتها إلى ما فيه سعادتها في دينها ودنياها وأخراها؛ قال صلى الله عليه وسلم: «مَن سُئل عن علم، فكتمه ألجَمه الله بلجام من نار يوم القيامة»[1].

17- تحذير العلماء من المداهنة والمحاباة في بيان العلم، وإظهاره وبيان الحق، ومن سلوك مسالك علماء السوء من أهل الكتاب.

18- تهديد الذين يفرحون بما أُتوا من الباطل من كتمان الحق، والكذب والنفاق من أهل الكتاب والمنافقين وغيرهم، وذمهم؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا ﴾.

19- ذم الذين يحبون أن يَحمَدَهم الناس بما لم يفعلوه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ﴾، وفي الحديث: «ومَن ادَّعى دعوى كاذبة ليتكثَّر بها، لم يزده الله إلا قلة»[2]، وقال صلى الله عليه وسلم: «المتشبِّع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور»[3].

20- أن من أحب أن يُحمَد ويُثنى عليه بما فعل من الخير واتباع الحق، لا يدخل تحت الذم، بل قد يكون ذلك من عاجل بشرى المؤمن؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، وقد قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾ [الشعراء: 84]، لكن إن كان قصد مَن أحبَّ أن يُحمَد بما فعل هو مجرد حمد الناس له والرياء والسمعة، فهذا محرم لا يجوز.

21- الوعيد والتهديد للذين يفرحون بما أُتوا، ويحبون أن يُحمَدوا بما لم يفعلوه، وأنهم لن ينجوا من العذاب؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ﴾.

22- أن لهؤلاء الذين يفرحون بما أتوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا عذابًا أليمًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

23- ينبغي ألا يفرح الإنسان - حتى بما أُوتِيَ من الخير- فرحَ بطرٍ واختيال، وإنما فرح استبشار، كما ينبغي للإنسان أن يخلص لله تعالى في عمله، وألا يطلب المدح من الناس، وأن يخشى أن يقع في الرياء والسمعة؛ كما قال حصين بن عبدالرحمن لما سأل سعيد بن جبير أصحابه: «أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قال حصين: قلت أنا: ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لُدغت».

24- أن لله - عز وجل - وحده ملك السماوات والأرض ملكًا مطلقًا لأعيانهما وما فيهما، وتصرفًا مطلقًا فيهما وبما فيهما؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

25- يجب أن يكون تصرف الملوك والملاك بما تحت أيديهم وفق شرع الله تعالى؛ لأن ملكهم لذلك ملك مقيَّد، وهم وما تحت أيديهم ملك لله تعالى.

26- لا يجوز اختصاص أحد بشيء مما أوجده الله لعامة الخلق إلا بمقتضى الشرع؛ لأن الملك كله لله؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضًا ميتة، فهي له»[5].

27- عموم قدرة الله - عز وجل - لكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.

فريق تحرير الحدث الإخبارية

فريق التحرير في الحدث الإخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق