نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الشروق وبدر.. ورضا المواطن!, اليوم الأربعاء 26 أغسطس 2026 02:31 مساءً
هل تنحصر مهمة رؤساء أجهزة المدن الجديدة في متابعة مشروعات الإسكان والتطوير العقاري، ورصف الطرق وتجميلها، والزراعة والنظافة وسائر الأعمال الإنشائية؟ أم أن المسؤولية الأهم هي أن يشعر المواطن بأن مدينته تُدار من أجله، وأن الخدمات التي تمس حياته اليومية تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يستحق التوقف أمامه، لأن نجاح المدينة لا يقاس بعدد الأرصفة التي جرى تطويرها، أو المساحات الخضراء التي زُرعت، أو الطرق التي رُصفت، وإنما كذلك بقدرة المواطن على الوصول إلى عمله، وحصوله على السلع الأساسية وأهمها بالقطع الخبز المدعم، وتوافر المواصلات، وانتظام الخدمات الأساسية، وشعوره بأن هناك من يسمع شكواه ويتعامل معها بجدية.
وليس من الإنصاف وضع جميع رؤساء الأجهزة في سلة واحدة. فهناك نماذج تستحق الإشادة، ومنها المهندس محمد أحمد زكريا، رئيس جهاز مدينة الشروق، الذي يحرص ـوفق ما يلمسه سكان المدينةـ على متابعة احتياجات المواطنين والرد على استفساراتهم والتفاعل مع شكاواهم، بما يعكس فهمًا مهمًا لمعنى الإدارة المحلية: أن يكون المسؤول قريبًا من الناس، لا أن ينتظر وصول المشكلة إليه في خطاب رسمي.
لكن المقارنة تصبح مشروعة حين نجد مدينة أخرى، مثل بدر، لا تزال تواجه شكاوى متكررة في بعض الخدمات الحيوية، رغم ما تحقق فيها من أعمال ومشروعات، ورغم أن رئيس الجهاز الحالي لا يتحمل بالضرورة مسؤولية المشكلات المزمنة التي تراكمت عبر سنوات.
ومن أبرز الملفات التي تستحق مراجعة جادة ملف المواصلات الداخلية، إذ يشكو بعض السكان من عدم كفاية وسائل النقل التي تربط أحياء المدينة مترامية الأطراف، ومن ارتفاع تكلفة الانتقال بالنسبة إلى شرائح واسعة من السكان. والمواصلات ليست خدمة تكميلية؛ فهي شريان الحياة في مدينة واسعة المساحة، وغيابها أو ارتفاع تكلفتها يحول المسافة بين البيت والعمل أو المدرسة إلى عبء يومي لا يقدر عليه كثير من الناس.
ويأتي ملف الخبز المدعم في مقدمة الخدمات التي لا تحتمل التأجيل. فقد أثار غلق بعض المخابز التي تصرف الخبز المدعم لأصحاب البطاقات التموينية، ومنها المخبز الموجود في الحي السابع «الروبيكي» والمخبز القريب من بنك مصر، مخاوف من تكدس المواطنين على المخابز الأخرى ونفاد حصص الخبز في ساعات مبكرة، بحسب شكاوى متداولة بين السكان.
وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال: من المسؤول عن غلق المخبز فقط؟ بل: ماذا حدث بعد الغلق؟ وهل جرى توفير البديل قبل أن يشعر المواطن بالأزمة ومتى يعود المخبز المغلّق للعمل وهل تكفي المخابز الموجودة احتياجات السكان المقيمين ناهيك عن الغرباء من العمال والموظفين في المصانع وشركات المقاولات وما أكثرها في المدينة الواعدة المنسية كما وصفتها في مقال سابق؟
فحتى إذا كانت صلاحية تشغيل المخابز أو تخصيص الحصص التموينية تقع في جانب منها لدى الجهات التموينية المختصة، فإن جهاز المدينة يظل طرفًا أساسيًا في التنسيق، وإبلاغ الجهات المعنية بالمشكلة، والبحث عن حلول سريعة، خصوصًا إذا كانت هناك منشآت سبق تخصيصها أو تجهيزها لهذا الغرض.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر تحديدًا: لماذا لا يجري بحث إمكانية تشغيل المنشآت التي سبق تخصيصها كمخابز بلدية، ومنها المبنى المجاور للمركز الطبي عند مدخل الأندلس والقريب من عمارات الـ800، إذا كانت مستوفية للاشتراطات اللازمة؟ وهل جرى بالفعل التواصل بشأنها مع الجهات المختصة؟ وإذا تعذر تشغيلها، فما البديل؟
المقصود هنا ليس تحميل رئيس جهاز المدينة وحده مسؤولية كل مشكلة، فهناك خدمات تتداخل فيها اختصاصات أكثر من جهة، ولا يجوز اختزال الإدارة المحلية في شخص واحد. لكن رئيس الجهاز يظل في موقع يسمح له بأن يكون منسقًا ومدافعًا عن احتياجات المدينة، وأن يضع مشكلات المواطنين على طاولة الجهات المعنية بدل أن تظل الشكوى دائرة مغلقة بين المواطن والجهة المختصة.
والأمر نفسه ينطبق على مشكلات الصرف الصحي في بعض المناطق، ومنها منطقة الزلزال وما حولها، وعلى بعض الطرق التي تحتاج إلى إصلاح، فضلًا عن ظاهرة الكلاب الضالة في بعض الأحياء، وغيرها من الملفات التي لا تبدو كبيرة على الورق، لكنها كبيرة جدًا في حياة من يواجهها كل يوم.
ويبقى السؤال الأهم، وربما الأكثر دلالة على جودة الإدارة: هل جرب رؤساء أجهزة المدن أن يقيسوا مدى رضا الناس عن الخدمات التي تقدمها أجهزتهم؟ ليس المقصود استبيانًا شكليًا ينتهي إلى أرقام محفوظة، وإنما قياس حقيقي ومستقل، يشمل المواصلات، والنظافة، والطرق، والمياه، والصرف، والإنارة، والحدائق، والأسواق، والخدمات التموينية، وسرعة الاستجابة للشكاوى.
لماذا لا يكون لكل مدينة «مؤشر رضا المواطن» يُعلن بصورة دورية؟ ولماذا لا يعرف رئيس الجهاز أن نجاحه لا يقاس فقط بما أنجزه جهازه من مشروعات، وإنما أيضًا بما يقوله المواطنون عن أثر هذه المشروعات في حياتهم؟
وقد يكون من المفيد أن يخصص رئيس الجهاز يومًا دوريًا للقاء سكان الأحياء المختلفة، لا بوصفه لقاءً بروتوكوليًا، وإنما جلسة عمل مفتوحة: ما المشكلة؟ ما الحل الممكن؟ من الجهة المسؤولة؟ وما المدة اللازمة لإنجازها؟ ثم تُراجع النتائج بعد ذلك أمام الناس.
كما يمكن إنشاء خريطة إلكترونية للشكاوى، تُصنف حسب الحي ونوع المشكلة ودرجة الأولوية، مع بيان ما تم بشأن كل شكوى. فالشفافية هنا ليست رفاهية؛ إنها وسيلة لإدارة المدينة بكفاءة، ولمنع تكرار المشكلة نفسها عشرات المرات.
والإنصاف يقتضي أن نقول إن مدينة بدر كبيرة، وأن حجمها واتساعها وتعدد أحيائها يجعلان إدارتها أكثر صعوبة من مدينة محدودة المساحة. كما أن كثيرًا من مشكلاتها أقدم من شاغل المنصب الحالي. لكن ذلك لا يلغي أن المسؤولية الإدارية تبدأ من لحظة تولي المسؤول موقعه، وأن المواطن لا يستطيع أن يعيش على قاعدة «هذه مشكلة قديمة».
المطلوب إذن ليس جلد المسؤولين، ولا صناعة خصومة بين المواطن وجهاز المدينة، وإنما إعادة تعريف معيار النجاح. فالمدينة الناجحة ليست التي تبدو جميلة من نافذة السيارة فقط، وإنما التي يجد فيها المواطن وسيلة مواصلات معقولة، وسلعة متوفرة بسعر مناسب، ورغيفًا مدعمًا متاحًا، وطريقًا صالحًا، وصرفًا منتظمًا، وشارعًا آمنًا، ومسؤولًا يسمعه حين يشتكي.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأكثر عدلًا الذي ينبغي أن يطرح على كل رئيس جهاز مدينة جديد أو قديم: إذا كان لديك تقرير كامل بما أنجزته خلال العام، فهل لديك أيضًا تقرير يخبرك كم مواطنًا شعر بأن حياته أصبحت أفضل؟
فالأرقام تقيس حجم الإنجاز، لكن رضا الناس يقيس أثره. وبين الإنجاز والأثر مسافة لا يقطعها الرصف والتجميل وحدهما، وإنما تقطعها إدارة ترى المواطن غاية الخدمة، لا مجرد متلقٍ لها.


















0 تعليق