الساحل الشمالي.. أهل إيجيبت وأهل مصر!

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الساحل الشمالي.. أهل إيجيبت وأهل مصر!, اليوم الخميس 20 أغسطس 2026 01:41 مساءً

ليس الساحل الشمالي هو مصر، ولا يجوز اختزال وطن كامل في حفلاته ومطاعمه وسياراته ومظاهر الرفاهية التي تتصدر المشهد فيه. لكن الساحل، بما يكشفه أحيانًا من فوارق صارخة في أنماط الحياة، أصبح مرآة اجتماعية يصعب تجاهل ما تعكسه.


المسألة ليست في أن هناك مصريين يملكون المال وينفقونه؛ فالثروة المشروعة ليست خطيئة، والرفاهية ليست جريمة. المسألة في شيء أعمق: ماذا يحدث حين يصبح الفارق بين الطبقات فارقًا في نوعية الحياة والفرص والأحلام؟


هنا تبدو مصر وكأنها تنقسم إلى مصرين: مصر تستطيع أن تجعل الصيف موسمًا مفتوحًا للمتعة والاستهلاك، ومصر أخرى (وهي غالبية الشعب المصري نحو 95٪ على الأقل) تحسب ثمن الغذاء والتعليم والمواصلات والدواء، وتخشى أن يتحول المستقبل نفسه إلى عبء.


لكن الأخطر من الفقر والغنى أن تتحول الفوارق الاقتصادية إلى عزلة اجتماعية؛ فلا يعود أبناء الطبقات المختلفة يدرسون في الأماكن نفسها، ولا يسكنون البيئات نفسها، ولا يملكون الفرص نفسها، ولا حتى يتخيلون المستقبل بالطريقة نفسها.


وهنا نصل إلى الغائب الأكبر: الطبقة الوسطى. كانت هذه الطبقة تاريخيًا جسر الصعود الاجتماعي في مصر؛ بالعلم والعمل والوظيفة والمهنة يستطيع ابن الأسرة المحدودة الدخل أن يصنع لنفسه مكانًا أفضل. أما حين تبدأ الطبقة الوسطى في فقدان قدرتها على الادخار والتعليم وامتلاك المسكن وتحسين مستوى المعيشة، فإن المجتمع يفقد أهم صمامات أمانه.


لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يوجد ساحل بهذا الثراء؟ بل: لماذا لا يستطيع الاقتصاد أن يصنع مساحات أوسع من الرفاه المشروع؟ ولماذا يصبح الانتقال من طبقة إلى أخرى أصعب على قطاعات واسعة؟


الدولة لا تُطالب بإلغاء الفوارق، فهذا مستحيل، وإنما عليها أن تمنع تحول الفوارق إلى جدران اجتماعية مغلقة. والطريق يبدأ من أربعة أمور واضحة: عمل منتج بأجر عادل، وتعليم جيد يعيد تكافؤ الفرص، وخدمات وسكن ونقل لا تستنزف دخول الأسر، وسياسات اقتصادية تجعل النمو محسوسًا في حياة المواطن لا مجرد أرقام في التقارير.


والأهم أن تستعيد الطبقة الوسطى موقعها في قلب الأولويات؛ لأنها ليست مجرد شريحة دخل، وإنما القوة التي تحمل المجتمع من الاستقرار إلى التقدم. إذا صعدت صعد المجتمع، وإذا سقطت اتسعت الهوة بين القمة والقاع.


ولذلك فإن معركتنا الحقيقية ليست مع الساحل، ولا مع الأغنياء، ولا مع مظاهر الرفاهية؛ وإنما مع اتساع المسافة بين مواطنين يعيشون في وطن واحد ولا يشعرون أنهم يعيشون الحياة نفسها.

نحتاج إلى مصر يستطيع فيها الغني أن يستمتع بثروته دون أن تتحول إلى استفزاز، ويستطيع فيها الفقير أن يحلم دون أن يشعر أن الحلم مغلق أمامه، وتستعيد فيها الطبقة الوسطى قدرتها على الصعود لا الخوف من السقوط.

فالساحل ليس المشكلة. المشكلة أن يتحول الساحل من مجرد مكان إلى رمز لمصرين: مصر تملك أن تعيش، ومصر تكافح كي تعيش. وعندها لا تكون الهزيمة في حرب خسرناها، وإنما في وطن بدأ يفقد، بصمت، إحساسه بأنه وطن واحد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق