مع وصول جوكو ويدودو، المعروف بـ«جوكوي»، إلى سدة الحكم في إندونيسيا عام 2014، تنفّست البلاد الصعداء متطلعة إلى عهد جديد من الإصلاح السياسي والاقتصادي. فالرجل جاء من خارج دائرة النخب السياسية التقليدية، مقدماً نفسه كوجه شعبي يَعِد بتنمية سريعة وحماية للمسار الديمقراطي، غير أن عقداً كاملاً من الحكم كشف عن مسار مغاير تماماً لهذه التطلعات، كما يبيّن كتاب «رئاسة جوكوي.. عقد من إحياء السلطوية في إندونيسيا» .
يرى محررا الكتاب، سانا جافري وإيف واربورتون، أن فترة حكم الرئيس جوكو ويدودو (جوكوي) لإندونيسيا مثّلت مرحلة لإعادة إنتاج ممارسات النظام القديم، لكن بأسلوب جديد. فبينما صُوِّر في البداية كزعيم شعبي يسعى إلى العدالة الاجتماعية، جاءت سياساته الاقتصادية أقرب إلى التنمية الموجهة من الدولة، مع تركيز مفرط على مشاريع البنية التحتية والصناعات الكبرى. وعلى الرغم من ضخامتها، تركت هذه السياسات الاقتصاد هشّاً ومعرضاً للتقلبات، في ظل ضعف الابتكار واعتماد متزايد على الديون والموارد الطبيعية.
لم يقتصر التراجع على الاقتصاد؛ بل امتد إلى مؤسسات الحكم نفسها. لجأ جوكوي إلى التحالف مع النخب العسكرية والسياسية والاقتصادية، ما أضعف استقلال القضاء ووسائل الإعلام وأفقد آليات الرقابة والمساءلة فاعليتها. ومع مرور الوقت، باتت الديمقراطية في البلاد أقرب إلى الشكلية منها إلى الممارسة الحقيقية، بينما تعززت سلطة الرئاسة على حساب التوازن المؤسسي. كما استعاد الجيش والأجهزة الأمنية دوراً مركزياً في ضبط السياسة الداخلية، في حين ظلت السياسة الخارجية تتسم بالحياد التقليدي والانكفاء على القضايا الداخلية أكثر من تأدية أدوار إقليمية مؤثرة.
يقول المؤلفان: «لم يدخل أي رئيس في تاريخ إندونيسيا إلى منصب الحكم وهو محاط بتوقعات عالية كما كانت الحال مع الرئيس جوكو ويدودو (جوكوي). السنوات الأخيرة من حكم الرئيس سوسيلو بامبانغ يودهويونو (2004–2014) اتسمت بنمو اقتصادي بطيء، وانتشار الفساد بين السياسيين، وتزايد عدم المساواة، وبنية تحتية متداعية على ما يبدو. جاء صعود جوكوي إلى الحكم في وقت كان فيه السخط الشعبي على الأوضاع الراهنة يتزايد. فقد تراجعت مستويات ثقة الإندونيسيين في الأحزاب السياسية إلى أدنى مستوياتها منذ بدء التحول الديمقراطي، وانخفضت نسبة رضاهم عن أداء يودهويونو إلى نحو 50% قبل مغادرته منصبه».
ويضيفان: في نظر كثيرين، جسّد جوكوي التغيير الذي طالما تطلع إليه الإندونيسيون. ومع مرور الوقت، أصبح جوكوي رمزاً لفكرة أن المواطن العادي يمكنه قيادة الدولة بعد مرحلة من الجمود السياسي، إلى أن انتهت فترة حكمه وقد تحولت إندونيسيا إلى ما وصفه خبراء بأنها «منطقة رمادية» بين الديمقراطية الانتخابية والسلطوية الانتخابية.
فترة مثيرة للجدل
وعند النظر إلى تطور المسار السياسي لجوكوي خلال العقد الماضي، يمكن اعتباره رئيساً مقلقاً ومثيراً للجدل؛ إذ شهدت الديمقراطية الإندونيسية في عهده تراجعاً ملحوظاً. دفعه السعي نحو إنجازات اقتصادية سريعة في البداية، ثم مع مرور الوقت، نحو تعزيز سلطته الشخصية. قام بإضعاف المؤسسات الديمقراطية للرقابة والمساءلة، وغيّر الأعراف الديمقراطية الراسخة مع اقتراب المواعيد الانتخابية.
لمقارنة إرث جوكوي مع إرث سلفه سوسيلو بامبانغ يودهويونو، يشير إدوارد أسبينال وماركوس ميتزنر وديرك تومسا في كتاباتهم عام 2015 إلى أن أعظم إنجاز ديمقراطي حققته إندونيسيا خلال فترة حكم يودهويونو كان إكماله لفترتين رئاسيتين كاملتين، ما حافظ على النظام الديمقراطي في البلاد. لكننا نرى أن أهم إنجاز ديمقراطي تحقق في عهد جوكوي كان فشل الرئيس في محاولاته لتغيير الدستور وتمديد فترة رئاسته.
لم يشهد عهد جوكوي انقلاباً استبدادياً؛ بل عاش تجربة «إحياء السلطوية». مساهمات الباحثين والممارسين الإندونيسيين في هذا الكتاب توضح كيف أعاد جوكوي إحياء أفكار وممارسات «النظام الجديد» التي اختفت ظاهرياً منذ إصلاحات ما بعد سقوط سوهارتو، لكنها ظلت كامنة تحت السطح. يشمل ذلك سياسات التنمية الموجهة، القمع، المنافسة السياسية المقيدة، إضعاف آليات المساءلة، وتركيز السلطة في يد الدولة، وكلها سمات أساسية لحكم سوهارتو الذي عاد للظهور في عهد جوكوي.
التراجع الديمقراطي
يتساءل المؤلفون عن الكيفية التي تمكن بها شخص مثل جوكوي من تنفيذ هذا التراجع الديمقراطي الممتد لعقد كامل. يجيبون بأن ذلك يعود جزئياً إلى خلفيته كسياسي قادم من خارج النخبة وكصاحب أعمال اكتسب شهرة وطنية من خلال السياسة المحلية. حمل معه فهماً عميقاً لاحتياجات الناس اليومية وتفضيلاتهم، فحافظ على أسعار السلع الأساسية منخفضة ووسع برامج الرفاه الاجتماعي، ما جعل الإندونيسيين يرون أنفسهم شركاء في رئاسته. وعلى الرغم من تراجع المعايير الديمقراطية واستمرار الفساد داخل الحكومة، احتفظ جوكوي بصورته بصفته سياسياً نزيهاً وبسيطاً، وهذا جعل الكثير من الإندونيسيين يتغاضون عن تجاوزاته السياسية، ليغادر منصبه بمعدلات شعبية مرتفعة.
كما يشدد المؤلفون على أن إحياء السلطوية في العقد الأخير ليس إرثاً شخصياً لجوكوي وحده؛ بل شاركته فيه النخب السياسية التي سعت إلى الحفاظ على امتيازاتها التي حصلت عليها بعد فترة الاضطرابات في أواخر التسعينات من القرن الماضي. ومن المفارقات أن نجاح الإصلاحات الديمقراطية نفسها عزز ثقة هذه النخب في أن النظام مستقر بما يكفي لعدم الحاجة إلى تغييره جذرياً؛ بل إلى إعادة تشكيله بما يخدم مصالحها. أدى هذا إلى تراجع العديد من الإنجازات الديمقراطية خلال العقد الماضي، وخلق حالة من التوافق الضمني بين القوى السياسية على الحد من الانفتاح الديمقراطي.
بنية الكتاب
يبرز الكتاب في ستة أجزاء مترابطة. يبدأ الجزء الأول: «جوكوي في الداخل وعلى المسرح الدولي» بتحليل رؤيته للسلطة والديمقراطية ودور إندونيسيا العالمي، بينما يوضح كيف تأثرت سمعة البلاد خارجياً بسبب سياسات داخلية قصيرة النظر. وفي الجزء الثاني: «الاقتصاد والرفاه»، يتناول الخبراء السياسات الاقتصادية التي ركّزت على مشاريع البنية التحتية من دون معالجة البطالة أو تقوية الطبقة الوسطى، فيما يُظهر توسيع برامج المساعدات الاجتماعية كيف استُخدمت لتعزيز صورة الرئيس للإصلاح العميق.
ينتقل الكتاب إلى الجزء الثالث: «البنية التحتية والأراضي» ليتتبع كيف أصبح جوكوي «رئيس البنية التحتية»، مع تسليط الضوء على نزاعات الأراضي وتهميش المجتمعات المحلية. أما الجزء الرابع: «القضاء والأمن والفساد» فيكشف تفكيك مؤسسات المساءلة، وتسييس القضاء والأمن، وإضعاف جهاز مكافحة الفساد الذي فقد استقلاليته.
الديمقراطية والقمع
وفي الجزء الخامس: «الحقوق الديمقراطية والقمع»، يناقش المؤلفون تقلّص الحريات العامة وقمع الاحتجاجات، فيما يعرض الفصل الخاص بالإسلاميين سياسات مزدوجة جمعت بين القمع والتفاوض. يُختتم الكتاب بالجزء السادس: «السياسة المحلية واللامركزية»، حيث يتم تتبع تمدد النفوذ العائلي لجوكوي وتراجع فرص السلام في بابوا لصالح مقاربة أمنية زادت من التوترات السياسية والاجتماعية.
على الرغم من إنجازاته في التنمية والبنية التحتية، خلّف جوكوي إرثاً سياسياً معقداً، حيث تراجع المشروع الديمقراطي لصالح تركيز السلطة واستعادة أساليب النظام القديم، ويخلص الكتاب إلى أن تجربة جوكوي تجسّد هشاشة التحولات الديمقراطية في مواجهة تحالفات النخب وضغوط التنمية السريعة، وكيف يمكن للشعارات الإصلاحية أن تتحول، مع الزمن، إلى إعادة إنتاج للسلطوية بأساليب حديثة.

0 تعليق