قال خبراء اقتصاديون تحدثوا لـ الحدث الإخبارية إن مصر تمتلك مجموعة من المقومات التي تؤهلها لجذب الاستثمارات الأجنبية، من موقع جغرافي يربط أسواق أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، إلى قاعدة سكانية كبيرة وشبكة من الموانئ والطرق وفرص في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية.
وأشاروا إلى أن تحويل هذه المقومات إلى تدفقات استثمارية مستدامة يظل مرهونًا بقدرة الاقتصاد على توفير بيئة تشغيل مستقرة وإجراءات واضحة وعائد تنافسي للمستثمر.
وبحسب بيانات الأونكتاد، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر نحو 15.5 مليار دولار خلال 2025، وهو رقم يستدعي النظر إلى مكونات هذه التدفقات، وليس الاكتفاء بقيمتها الإجمالية.
وتكشف المقارنة بين السنوات المختلفة أهمية التمييز بين الاستثمارات التي تنشئ طاقات إنتاجية جديدة، وتلك الناتجة عن الاستحواذات أو صفقات الأصول والتطوير العقاري.
وتقدم صفقة رأس الحكمة مثالًا واضحًا على هذه المسألة، فقد ارتبط الارتفاع الاستثنائي في تدفقات الاستثمار الأجنبي خلال العام المالي 2023/2024 بالصفقة التي بلغت قيمتها المعلنة 35 مليار دولار، ووفق الأرقام الواردة في المسودة، وصل صافي التدفقات في ذلك العام إلى نحو 46.1 مليار دولار.
إطلاق المنطقة الاستثمارية لعلم الروم رسميا
الاستثمار الأجنبي.. أين تكمن القيمة المضافة؟
قال الدكتور مصطفى بدرة الخبير الاقتصادي والمصرفي، إن الاستثمارات الأجنبية لا تتساوى في أثرها على الاقتصاد، حتى عندما تتقارب قيمتها المالية، مضيفًا لـ الحدث الإخبارية، أن المشروع الذي يعتمد على شراء الأصول القائمة يختلف في أثره عن مصنع جديد يوسع الإنتاج، كما يختلف الاستثمار كثيف رأس المال عن مشروع صناعي أو خدمي قادر على تشغيل أعداد أكبر من العمالة.
وتشير نتائج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى تركز جانب كبير من الاستثمارات الأجنبية في مصر في أنشطة الإنشاءات والموارد الطبيعية والطاقة، كما تشير إلى محدودية نصيب البحث والتطوير من التدفقات الاستثمارية.
وأضاف بدرة أن المؤشرات تشير إلى جذب رؤوس الأموال ما ينبغي أن يترافق مع سياسة تستهدف تحسين أثرها الاقتصادي، من خلال توجيهها إلى أنشطة قادرة على زيادة الإنتاج المحلي، وتوسيع قاعدة التصدير، وتعزيز الروابط بين الشركات متعددة الجنسيات والمصانع المصرية.
"تولارام" السنغافورية تدرس إضافة خط إنتاج جديد في مصر لتعزيز الصادرات
الصناعة والتصنيع الموجه للتصدير
قال الدكتور أحمد خطاب الباحث الاقتصادي، إن التصنيع أحد أهم المسارات التي يمكن أن تربط الاستثمار الأجنبي بزيادة الصادرات وفرص العمل، خاصة في الصناعات الغذائية والهندسية والمنسوجات والملابس الجاهزة والصناعات الكيماوية والدوائية.
وأضاف لـ الحدث الإخبارية، أن الميزة الأساسية لهذه الأنشطة تتمثل في قدرتها على الاستفادة من السوق المحلية الكبيرة، ثم التوسع إلى الأسواق الخارجية، بشرط توافر مدخلات الإنتاج بأسعار تنافسية واستقرار إمدادات الطاقة وسهولة الإفراج الجمركي والالتزام بمعايير الجودة الدولية.
وأشار إلى أن المستثمر الأجنبي يمكنه أن يسهم في رفع كفاءة الإنتاج المحلي من خلال إدخال تكنولوجيا حديثة، وتطوير نظم الإدارة، وفتح قنوات تسويق جديدة أمام المصانع المصرية.
وأوضح خطاب أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب تجاوز مرحلة توفير الأراضي والحوافز، إلى بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل الموردين المحليين والتدريب الفني والتمويل والاعتماد والجودة، بما يضمن أن يتحول وجود الشركات الأجنبية إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد.
مصر أكبر مستقبل للاستثمار الأجنبي المباشر أفريقيًا خلال آخر 4 سنوات
التعهيد وتكنولوجيا المعلومات
قال الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي، إن مصر تملك فرصًا لجذب استثمارات في خدمات التعهيد ومراكز الاتصال وتطوير البرمجيات وخدمات الأعمال العابرة للحدود، مستفيدة من قاعدة الخريجين وإمكان تقديم الخدمات إلى أسواق مختلفة.
وأضاف لـ الحدث الإخبارية، أن هذه الأنشطة تتميز بإمكانية التوسع دون الحاجة إلى استثمارات مادية بالحجم نفسه المطلوب في بعض الصناعات الثقيلة، كما يمكنها توفير وظائف في مجالات البرمجة وتحليل البيانات وخدمة العملاء والخدمات المهنية.
وأشار الشافعي إلى أن قدرة القطاع على استقطاب استثمارات جديدة تتوقف على توافر الكفاءات المؤهلة ومستوى إتقان اللغات وجودة الاتصالات والإنترنت واستقرار البيئة التنظيمية إلى جانب حماية البيانات والملكية الفكرية.
وأضاف أن أهمية هذا القطاع تزداد عندما يتجاوز تقديم الخدمات التقليدية إلى الأنشطة الأعلى قيمة، مثل تطوير البرمجيات والبحث التقني وتحليل البيانات، بما يعزز فرص نقل المعرفة ويرفع متوسط القيمة المضافة لكل وظيفة.
افتتاح أول مكتب للرقابة المالية بمركز خدمات المستثمرين خارج القاهرة في الإسكندرية
الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والتعدين
قال الدكتور هاني النقراشي الخبير الطاقي، إن موارد مصر الطبيعية وموقعها الجغرافي تتيح فرصًا للاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب أنشطة التعدين والصناعات المرتبطة بها.
وأضاف لـ الحدث الإخبارية، أن جذب استثمارات الطاقة لا يقتصر على إنشاء محطات لتوليد الكهرباء، إذ يمكن توسيع الأثر الاقتصادي عبر توطين تصنيع بعض المعدات والمكونات وتطوير خدمات الصيانة والهندسة وربط مشروعات الطاقة باحتياجات المصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وأوضح النقراشي: أما الهيدروجين الأخضر، فتتوقف جدوى مشروعاته على تكلفة الإنتاج والتمويل وتوافر الكهرباء المتجددة والبنية التحتية اللازمة للنقل والتخزين ووجود مشترين بعقود طويلة الأجل، وفي التعدين، تتطلب زيادة الاستثمارات توفير بيانات جيولوجية موثوقة ووضوح إجراءات التراخيص وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بالخامات، حتى لا تقتصر القيمة المضافة على استخراج الموارد وتصديرها في صورتها الأولية.
وزير الاتصالات الأسبق: بيانات العملاء تُباع من داخل شركات الموبايل والعقارات
الموانئ والخدمات اللوجستية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس
قال مصطفى بدرة، إن موقع مصر واتصالها بممرات التجارة الدولية يمنحها فرصًا لتطوير أنشطة التخزين وإعادة التصدير والخدمات البحرية والصناعات المرتبطة بالموانئ، وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها إحدى المنصات التي يمكن أن تستقطب مصانع تستهدف السوق المحلية والأسواق الخارجية، خصوصًا إذا ارتبطت مشروعاتها بشبكات النقل والموانئ والمناطق الصناعية.
وأضاف أن نجاح هذه المناطق لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات المعلنة أو عدد الاتفاقيات الموقعة، بل كذلك بمعدلات تنفيذ المشروعات ونسب التشغيل وقيمة الصادرات وحجم المشتريات من الموردين المحليين.
شعبة الأجهزة الكهربائية: صعود الصاج رفع الأسعار 5% والعمالة لم تُسرح
الزراعة والتصنيع الغذائي والسياحة
وأشار بدرة إلى أن فرص الاستثمار الزراعي تتجاوز زيادة المساحات المزروعة إلى تطوير سلاسل القيمة، من خلال التخزين المبرد والفرز والتعبئة والتصنيع الغذائي وتقليل الفاقد وتحسين كفاءة استخدام المياه، ويتيح هذا المسار فرصًا أمام المستثمرين في الصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف والخدمات اللوجستية، مع إمكانية زيادة القيمة المضافة للصادرات بدلًا من الاعتماد على بيع المنتجات الخام.
وفي السياحة، قال بدرة: تشمل الفرص إنشاء الفنادق وتطوير المنشآت القائمة والاستثمار في الخدمات الترفيهية والسياحة الثقافية والبيئية إلى جانب تدريب العمالة وتحسين جودة الخدمات، وتعتمد قدرة هذه القطاعات على جذب استثمارات مستدامة على وضوح قواعد تخصيص الأراضي والتراخيص وتوافر التمويل واستقرار تكاليف التشغيل ووجود طلب محلي وخارجي قادر على دعم العائد المتوقع.
البورصة ترتد بعد هبوط 2.3%.. هل يسحب اكتتاب بنك القاهرة السيولة؟
سوق المال.. قناة مكملة لتمويل الاستثمار
قال بدرة إن جذب الاستثمار الأجنبي لا يقتصر على المشروعات التي تنشئها الشركات من الصفر، إذ يمكن لسوق المال أن يوفر قناة إضافية لتمويل التوسع وزيادة رؤوس الأموال وتخارج بعض المستثمرين ودخول مستثمرين استراتيجيين جدد.
ويظل استقرار القواعد المنظمة للتعاملات الضريبية عنصرًا مهمًا في قرارات المستثمرين، حسب بدرة، لأن وضوح التكلفة الضريبية وتوقعاتها يساعدان على تقييم العائد والمخاطر، كما أن تطوير إجراءات القيد والتداول والإفصاح يرفع كفاءة السوق ويعزز قدرة الشركات على الوصول إلى التمويل غير المصرفي.
وأشار إلى أن تطوير سوق المال لن يكون بديلًا عن تحسين مناخ الاستثمار الحقيقي، فالسوق الأكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال هو الذي يوفر للشركات فرصًا للنمو والتوسع وتحقيق أرباح مستدامة.
هل ينجح الاقتصاد المصري في اختبار ما بعد صندوق النقد؟
الطاقة والتعدين.. الثقة تبدأ من انتظام التعاملات
أعلنت الحكومة خلال 2026 تسوية المتأخرات المستحقة لشركات النفط العالمية، وعلق النقراشي أنه إذا استمر انتظام السداد ووضوح شروط التعاقد، فقد يساعد ذلك على تعزيز ثقة الشركات في ضخ استثمارات جديدة وتوسيع برامج الاستكشاف.
وأضاف أن أهمية هذه الخطوات مرتبطة بقدرتها على الانتقال من مرحلة الترويج إلى حفر الآبار وتنفيذ المشروعات، ثم زيادة الإنتاج وتعظيم القيمة المضافة محليًا، وفي التعدين، يحتاج المستثمر بيانات جيولوجية دقيقة ونظام واضح للتراخيص والإتاوات وقواعد مستقرة لتسوية المنازعات إلى جانب بنية تحتية تتيح نقل الخامات ومعالجتها بكفاءة.
ارتفاع عجز الميزان التجاري 54% خلال يوليو 2026 إلى 8 مليارات دولار
الحوافز وحدها لا تكفي.. ماذا تحتاج بيئة الاستثمار؟
يمثل قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017، وما يرتبط به من حوافز وإجراءات لتيسير إقامة المشروعات، أحد مكونات الإطار التنظيمي لجذب رؤوس الأموال، غير أن أثر الحوافز يتوقف على مدى ارتباطها باحتياجات المستثمر الفعلية وسهولة الحصول عليها واستقرار القواعد المنظمة للنشاط.
أشار الشافعي إلى أن المستثمر لا يقارن بين نسب الإعفاءات الضريبية فقط، بل ينظر أيضًا إلى تكلفة التمويل وإمكانية الحصول على النقد الأجنبي وسرعة الإفراج عن مستلزمات الإنتاج ووضوح نظام التراخيص وقدرة الشركات على تحويل الأرباح وفق القواعد المعمول بها.
وأضاف أنه يمكن إنشاء قواعد بيانات تربط المستثمرين الأجانب بالموردين المحليين، بالتعاون بين الهيئة العامة للاستثمار وجهاز تنمية المشروعات ومركز تحديث الصناعة، بما يساعد على تحديد الشركات المصرية القادرة على توفير المدخلات والخدمات المطلوبة، ويحتاج نجاح هذا الربط برامج عملية لتطوير الموردين، تشمل التدريب والتمويل وتحسين الجودة والاعتماد، بدلًا من الاكتفاء بإتاحة بيانات الشركات أو عقد لقاءات تعريفية.
بين الصمود والتآكل.. هل تهز حرب إيران عرش الدولار؟
ما العقبات التي قد تحد من تدفقات الاستثمار؟
قال بدرة إن المستثمر يحتاج القدرة على توقع التكاليف والعائد، وإمكانية تدبير النقد الأجنبي اللازم لاستيراد مستلزمات الإنتاج، وتحويل الأرباح وفق القواعد المنظمة.
وأضاف أن طول فترات التراخيص وتداخل الاختصاصات يؤدي إلى زيادة التكلفة وتأخير بدء التشغيل، وهو ما قد يقلل جاذبية المشروع حتى مع توافر الحوافز المالية.
وقال النقراشي إن تكلفة التمويل والطاقة ومدخلات الإنتاج. تؤثر في تكاليف قدرة المصانع المصرية على منافسة المنتجات المستوردة، كما تدخل مباشرة في حسابات المستثمر الأجنبي عند المفاضلة بين الدول.
وقال الشافعي إن وجود مصانع أجنبية داخل مصر لا يكفي لضمان انتقال التكنولوجيا إلى الشركات المحلية، إذ يتطلب ذلك توافق المنتجات مع معايير الجودة وتطوير القدرات الفنية والالتزام بمواعيد التوريد.
وأضاف أن الجهات المعنية تحتاج مؤشرات أكثر تفصيلًا تميز بين الأموال المعلنة والمتعاقد عليها والمنفذة وبين الاستثمار الجديد والاستحواذات، مع قياس الوظائف والصادرات والقيمة المضافة والمشتريات المحلية التي يحققها كل مشروع.
وأشار إلى أهمية تعزيز جاذبية مصر للاستثمار الأجنبي من الانتقال من الترويج العام إلى سياسة تستهدف نتائج اقتصادية قابلة للقياس، ويبدأ ذلك بإعطاء أولوية للمشروعات التي تضيف طاقات إنتاجية جديدة وتزيد الصادرات وتخلق وظائف مستدامة، دون إغفال أهمية الاستحواذات والشراكات الاستثمارية في توفير التمويل وتطوير الشركات القائمة.
وقال بدرة إن ربط الحوافز بأهداف واضحة مهم، مثل زيادة المكون المحلي ونقل التكنولوجيا والتدريب والتوسع في الأسواق الخارجية مع مراجعة النتائج الفعلية للمشروعات المستفيدة من هذه الحوافز، ويأتي تطوير الموردين المحليين في مقدمة الأولويات، لأن القيمة الاقتصادية للاستثمار الأجنبي تتضاعف عندما يمتد أثره إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، بدلًا من اقتصاره على المنشأة المستثمرة نفسها.
- تعزيز التعاون بين مصر وبنك اليابان لدعم الاستثمار في الطاقة والهيدروجين الأخضر
- ليندمان: نظام الاستثمار الأجنبي يوفر بيئة داعمة للشراكات السعودية الأمريكية
- رئيس هيئة الدواء يبحث مع شركات كورية فرص الاستثمار ودخول السوق المصري
- مصر والسعودية تعززان الشراكة في البترول والغاز والبتروكيماويات
- وزير الاستثمار: نعمل على تعزيز الشراكة بين الشركات المصرية والمؤسسات التمويلية لدعم قدراتها التصديرية






